روسيا بمواجهة أزمة أوكرانيا.. تحديات وأخطار

أشرف رشيد-موسكو

الاضطرابات التي شهدتها أوكرانيا وأدت إلى عزل الرئيس فيكتور يانوكوفيتش وتهاوي سلطته بشكل لم يكن متوقعاً، قلبت الكثير من الموازين بالنسبة للجارة روسيا، مما وضع الكريملين أمام تحدٍ صعب يتطلب منه إعادة حساباته من جديد لمواجهة المرحلة المقبلة، مع قدوم سلطات أوكرانية جديدة تميل أكثر ناحية الغرب.

وكانت موسكو قد شككت في شرعية السلطات الجديدة بعد سيطرة أنصار المعارضة على المقرات الحكومية والقصر الرئاسي والبرلمان الذي صوَّت لصالح عزل الرئيس وتعيين رئيس جديد مؤقت إلى حين إجراء انتخابات رئاسية جديدة. أما الرئيس الأوكراني فيعتقد أنه فر إلى مسقط رأسه في مدينة دنيتسك شرقي البلاد.

رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيدف اعتبر أن شرعية السلطات الجديدة في أوكرانيا تثير 'شكوكا جدية'. ونقلت عنه وكالات أنباء روسية القول 'لم يعد لدينا من نتحاور معه، فإذا اعتبرنا أن من يتجولون في كييف بأقنعة سوداء ويحملون بنادق رشاشة هم من يمثلون الحكومة، فسنجد صعوبة في التحاور مع مثل هذه الحكومة'.

رهان خاسر

رئيس دائرة الأمن الأوروبي في أكاديمية العلوم الروسية ديمتري دانيلوف يرى أن من الصعب التنبؤ بالخطوات التي ستتخذها موسكو في المرحلة الراهنة بعد فشل يانوكوفيتش في إدارة أوضاع البلاد وانهيار الحكومة، مضيفاً أن موسكو تدرك أن العودة إلى الوراء غير ممكنة.

وعبر دانيلوف عن قناعته بأن روسيا ستكتفي في المرحلة الحالية بمراقبة الأوضاع بانتظار ما سيحدث في الشرق والغرب الأوكراني، لتقرر لاحقاً ما الذي يمكنها فعله.

وحول إمكانية مواصلة موسكو دعمها ليانوكوفيتش، قال دانيلوف إنه لا يوجد شخص عاقل يمكن أن يراهن على الرئيس المعزول بعدما بات ورقة خاسرة، 'فقد أثبت عجزه وهو لا يحظى بأي دعم في أوكرانيا'.

وإذا ما طلب يانوكوفيتش اللجوء إلى روسيا، أعرب دانيلوف عن اعتقاده بأن مثل هذا الطلب سيقابل بالرفض 'لأن هذا سيعزز مشاعر العداء تجاه موسكو'.

واستدرك الباحث في أكاديمية العلوم الروسية قائلاً إن استقرار الأوضاع في أوكرانيا يتطلب في جميع الأحوال أن يتنازل يانوكوفيتش عن السلطة طوعاً.

وأضاف 'أما موسكو فلا تستطيع أن تعترف بمن جاء إلى السلطة بالقوة، خصوصاً أن يانوكوفيتش رئيس منتخب ولا يمكن وصفه بالدكتاتور، وقد تم عزله من خلال الفوضى والشغب، وهذا ليس كافياً للاعتراف بالسلطة الحالية. في نفس الوقت هناك أمر واقع يقول إن الرئيس لن يعود وإنه فقد السلطة إلى الأبد'.

وفي معرض وصفه للأوضاع في أوكرانيا، قال دانيلوف إنها 'مقلقة للغاية' لأن حالة قوية من التضامن تشكلت في صفوف المعارضة بعد الأحداث المأساوية التي وقعت في ميدان الاستقلال بكييف، والتعبئة ما زالت مستمرة لمواجهة المرحلة القادمة، حسب تعبيره.

اتساع الدائرة
وأضاف دانيلوف أنه من الطبيعي أن تسعى السلطات الجديدة لبسط سيطرتها على عموم أوكرانيا، وهذا قد يؤدي إلى وقوع مواجهات في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية بين الرافضين للانقلاب وبين المعارضة.

ومضى إلى القول إن روسيا في وضع حرج فهي لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي، وهناك نداءات من الشرق تطالب بتدخلها.

وعبّر عن مخاوفه من انتقال الاضطرابات إلى شبه جزيرة القرم التي يتواجد فيها أسطول البحر الأسود، قائلاً إن 'الأسطول بالنسبة لموسكو خط أحمر، وروسيا لن تتهاون في حماية مصالحها والقيام بخطوات حاسمة للدفاع عنها، وهذا قد يؤدي إلى حدوث مواجهات مسلحة، وإذا وقع ذلك فإن من الصعب إيقافه'.

وعن انعكاسات ذلك على روسيا، قال دانيلوف إن ما حدث في أوكرانيا ينذر بانتقال عدوى الاحتجاجات إلى روسيا، مضيفاً أن موسكو لا شك قلقة فهي تدرك معنى الاحتجاجات الشعبية والصراع الداخلي والأمثلة على ذلك كثيرة، لذلك فهي معنية بعودة الاستقرار إلى أوكرانيا بسرعة، وستفعل ما بوسعها لتجنب كل ما من شأنه أن ينقل الاحتجاجات إلى روسيا.

الدرس السوري
أما رئيس مركز نيزافيسيموست للأبحاث السياسية إيغور توميلوف فقد اعتبر أن روسيا خسرت الجولة ولم تعد تملك أية خيارات، فقد أضاعت الفرصة عندما كانت متاحة، لكنها لم تفقد كل الأوراق لأن 40% من الأوكرانيين ناطقون بالروسية ولديهم نظرتهم الخاصة إلى مستقبل بلادهم وهم يربطون مصيرها بروسيا.

ولفت إلى أن الحديث عن إمكانية قيام موسكو بتحرك عسكري لضم منطقة القرم إنما هي مجرد اجتهادات بعيدة عن المنطق، 'فوجود قاعدة بحرية روسية ونسبة لا بأس بها من الروس في القرم ليست كافية للقيام بتحرك عسكري، كما علينا أن لا ننسى أن غالبية سكان المنطقة من التتار وهم موالون لتركيا'.

وعن مصير يانوكوفيتش، قال توميلوف إنه إذا واصلت موسكو دعمها له فإن ذلك سيكون شبيهاً بما حدث في سوريا عندما خرجت الجماهير الشعبية المطالبة برحيل الرئيس ووقفت موسكو لتتحدث عن الشرعية وعن خيارات الشعب.

واعتبر أن وصف يانوكوفيتش بالرئيس الشرعي لا يعدو أن يكون من قبيل 'الكلام الجميل'، لكنه رئيس لا يستند إلى أي قاعدة شعبية. أما الحديث عن موالاته لموسكو فهو محض هراء لأن يانوكوفيتش كان رئيساً فاسداً يجري خلف مصالحه الشخصية ومصالح الدائرة المقربة منه، وبالتالي فإن تقاربه مع روسيا كان بدافع براغماتي بحت، على حد تعبير توميلوف.

انتقال العدوى
وحول تأثير هذه التحولات على المنطقة وعلى روسيا تحديداً، يرى توميلوف أن الظروف المعيشية والسياسية في دول الاتحاد السوفياتي السابق لا تختلف كثيراً فيما بينها من حيث انتشار الفساد والفروق الاجتماعية وغياب العدالة والديمقراطية الشكلية، وهذا التشابه قد يشجع مناطق أخرى على الثورة، خصوصاً في ظل وجود جهات على استعداد لتغذية هذه الثورات.

وأضاف أن الأوضاع في روسيا لا تختلف كثيراً لوجود حالة من عدم الرضا الشعبي على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، 'وعلينا أن لا ننسى أن من بين المحتجين في الميدان مواطنين روسا دعموا التغيير في أوكرانيا، وهؤلاء سيعودون إلى روسيا حاملين معهم روح الثورة والتغيير ومطالب العدالة'.

واعتبر توميلوف أن توجه كييف نحو الغرب بالكامل غير ممكن عملياً وستكون له انعكاسات سلبية كبيرة على أوكرانيا تحديداً، لأن اقتصادها مرتبط تاريخياً بروسيا وهناك تشابك مصالح كبير بين الجانبين، والخروج من هذه المنظومة ليس ممكناً ببساطة.

وأضاف أن التحولات التي جرت في أوكرانيا ترفع عن كاهل موسكو الكثير من الأعباء التي التزمت بها في صورة مساعدات وامتيازات وقروض، كان آخرها التعهد بدعم الاقتصاد الأوكراني بمبلغ 15 مليار دولار.