جبهة النصرة في سوريا .. جزء من الثورة أم مؤامرة لإجهاضها؟

بدأت الدول الغربية تتحرك من خلال مجلس الأمن الدولي، جراء محادثات غير رسمية، من أجل إدراج جبهة النصرة، ضمن لائحة الجماعات الإرهابية وتوقيع العقوبات عليها استنادا لقرار مجلس الأمن 1267، بعد أن أعلن زعيم الجبهة أبو محمد الجولاني، ولاء الجبهة لتنظيم القاعدة، وبعد أن أعلن زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبو بكر البغدادي في 10 إبريل 2013 عن تشكيل تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، والذي يضم التنظيم والجبهة.

هذا التطور، يزيد الصراع في سوريا سيزداد تعقيدا، ويجعل عملية بناء توافق دولي وإقليمي حول كيفية تسوية الصراع هناك، عملية معقدة، حيث لاتريد القوى الدولية أن تكرر خطأ أفغانستان، من خلال تمويل ودعم جماعات جهادية في سوريا، بهدف إسقاط الأسد، كما لاتريد أن تمنح شرعية لخطاب النظام السوري، والذي يرتكز على أن ما يجري في سوريا هو "مؤامرة تقودها القاعدة"، حيث تدرك هذه القوى أنه إلى جانب جبهة النصرة، التي أعلنت ولاءها للقاعدة، توجد جماعات مسلحة "معتدلة" يمكن أن تقود التغيير في سوريا.

وتشير عدة تقارير أمريكية إلى تسليح جهاز السى آى إيه للثوار "المعتدلين" لتجهيزهم للقتال ضد النظام بمساعدة من الدول العربية وتركيا وواشنطن.

الإرهاب أم "الربيع" السوري؟

يعيد الحديث عن تنامي نفوذ جبهة النصرة في المدن السورية، بخاصة في المناطق التي تم "تحريرها" من قبضة النظام السوري، الحديث مرة أخرى عن العلاقة بين الربيع العربي والجماعات الارهابية.

ففي الوقت الذي أشارت فيه التحليلات الغربية إلى أن نجاح القوى السياسية في تونس ومصر في أحداث التغيير السلمي أدى إلى تآكل شرعية تنظيم القاعدة الذي تبنى التغير العنيف للنظم التي "لا تطبق الشريعة الإسلامية"، تكشف حالة سوريا ومن قبلها ليبيا عن أن هذه العلاقة غير صحيحة، بخاصة في حالات التغيير التي يعقبها ضعف الدولة وتراجع سيطرتها على المناطق الحدودية، حيث تكون هذه المناطق بيئة ملائمة لعودة نشاط الجماعات الارهابية، وإن لم ترتبط تنظيميا بتنظيم القاعدة، وهو ما يعني عمليا أن التغيير الثوري لم يؤد إلى اختفاء الجماعات الإرهابية وتراجع شرعيتها.

حيث خلق تعقد الصراع في سوريا وامتداده مدة تزيد على العامين، فضلا عن محاولات بعض القوى الاقليمية "تديين" و"أسلمة" الصراع الدائر هناك بين نظام الأسد "البعثي العلماني" والقوى المعارضة "المجاهدة"، وفق تعبير بعض القوى، تحريك مشاعر بعض الجماعات والأفراد الذين رأوا في دعم المعارضة السورية نوعا من أنواع الجهاد، على نحو خلق ظاهرة "المهاجرين الى سوريا"، في تكرار لظاهرة المهاجرين إلى العراق، التي شهدتها المنطقة منذ ما يقرب من عقد.

وعلى سبيل المثال، تبث القنوات الدينية الممولة من السعودية مثل قناة المجد الفضائية دعوات للجهاد في سوريا، كما سافر نواب من جمعية الأصالة البحرينية المعروفة بتوجهاتها السلفية-الوهابية إلى سوريا، لمساندة الجيش السوري الحر، وكذلك سافرت قيادات سلفية كويتية لدعم المقاتلين في سوريا.

كما يتزايد نشاط الجماعات السلفية في شمال لبنان، وتشير عدة تقارير إلى حصولها على دعم سعودي، من أجل ممارسة الضغوط على حزب الله، من أجل التخلي عن دعم الأسد.

إلى جانب ذلك، تنظم العديد من الجمعيات الخيرية السلفية والوهابية والإخوانية في البحرين والسعودية والكويت والإمارات العديد من حملات التبرعات للشعب السوري وللمعارضة السورية، والتي أشارت عدة تقارير غربية أخيرا إلى احتمال توجه هذه الأموال لمساعدة الجماعات المتطرفة بين قوى المعارضة المسلحة وليس لمساعدة الشعب السوري، مع إشارتها إلى تحول الكويت إلى hub (نقطة ارتكاز) لتجميع التبرعات التي يتم من خلالها دعم المعارضة في سوريا، ودعم النازحين السوريين في الدول المجاورة.

مأزق المعارضة السورية:

لايمكن رسم خريطة واضحة لمناطق نفوذ جبهة النصرة في سوريا، أو شبكة علاقاتها مع الجماعات المسلحة في المنطقة، بخاصة تنظيم القاعدة في العراق، أو تلك التي نشطت في ليبيا، بعد سقوط نظام القذافي ، برغم وجود بعض التقديرات الخاصة بذلك، فعلى سبيل المثال تشير مؤسسة Quilliam المتخصصة في رصد الجماعات المتطرفة، إلى أن زعيم جبهة النصرة هو أحد العناصر في تنظيم القاعدة في العراق، وأن هذا التنظيم يوفر حوالي 50 % من التمويل الشهري للجبهة منذ نشأتها في داخل سوريا.

وبالتالي فإن إجراءات إدراج الجبهة على قائمة التنظيمات الإرهابية من خلال الأمم المتحدة، إذا نجحت تلك المحاولات، ومحاولة مراقبة التبرعات التي تقدمها الدول العربية لسوريا بخاصة دول الخليج، والتي تعد مسئولة بدرجة ما عن تشكل الجماعات المتطرفة في سوريا، قد لايؤدي إلى إضعاف جبهة النصرة في سوريا في المدى القصير، مع احتمال استمرار نفوذها في سوريا بعد الأسد، وهو ما ينذر وفق تقدير الاستخبارات الأمريكية باستمرار العنف الطائفي لمدة تتراوح بين سنة وسنة ونصف السنة بعد سقوط الأسد.

إلى جانب ذلك، فإن تعقد شبكة علاقاتها وعدم وضوح حجم الدعم الذي تقدمه للجيش السوري الحر، خاصة "جبهة تحرير سوريا الاسلامية" التي تنضوي تحت قيادة الجيش السوري الحر، والتي تتألف من 20 لواء من أهمها لواء التوحيد ولواء الإسلام وألوية صقور الشام وكتائب الفاروق ، يجعل عملية عزلها عن القوى "المعتدلة" التي تسعى واشنطن لدعمها، عملية معقدة، خاصة وأن بيان جبهة تحرير سوريا استنكر انضمام جبهة النصرة الى تنظيم القاعدة، و"دعا المجاهدين" لالتزام الاعتدال، ولكنه لم ينف أي تنسيق مع جبهة النصرة.

مثل هذا الوضع يخلق اشكاليتين، تتعلق الاشكالية الأولى بمدى قدرة المعارضة السورية المسلحة ممثلة في الجيش السوري الحر والكتائب التي يتألف منها على إثبات عدم صلتهم بتنظيم القاعدة، للحفاظ على شرعيتها، بخاصة في ظل استخدام النظام السوري قضية جبهة النصرة كذريعة لإثبات أن ما يجري في سوريا ليس ثورة وإنما مؤامرة تقودها القاعدة، وهذا سيعني عمليا اتجاه الجيش لاستعادة السيطرة على المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة، والحيلولة دون سيطرتها على مخازن الأسلحة الكيميائية، وهو ما ينذر بفتح جبهة جديدة للصراع الداخلي بين جبهة النصرة والجيش الحر، في الوقت الذي لم يحسم فيه الصراع بعد مع النظام السوري.

وتتعلق الإشكالية الثانية بالاستراتيجية التي ستتبعها الدول الغربية والإقليمية تجاه الصراع في سوريا، وهو ما يرجح كفة الخيار السياسي المستند الى اتفاق جنيف يونيو 2012 والقائم على فكرة دعم الحوار بين المعارضة السورية ونظام الأسد، سواء حوار مباشر أو غير مباشر، يتم خلاله الاتفاق على تفاصيل المرحلة الانتقالية، ويتزامن مع ذلك اعادة بناء قدرات المعارضة السورية على إدارة الدولة السورية بعد الأسد، على نحو يضمن عدم تكرار "خطأ" العراق، وما ارتبط به من انهيار الدولة هناك.

إلى جانب ذلك، قد يضع استمرار هذه الدول في دعم المعارضة المسلحة في سوريا دون تمييز بين المعارضة المعتدلة والمتطرفة، من أجل إسقاط الأسد بأي ثمن، في مأزق حول شرعية تمويلها هذه الجماعات، وهذا ما يتخوف منه بعض المسئولين الغربيين حيث يخشون من تكرار سيناريو تمويل الجهاديين في أفعانستان، والذي تلاه قيام حكم طالبان والذي استمر لما يزيد على عقد من الزمان.

من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة إعادة تشكل خريطة الصراع في المدن السورية، بخاصة فيما يتعلق بمناطق نفوذ جبهة النصرة، في مواجهة مناطق نفوذ الجيش السوري الحر، فضلا عن مناطق نفوذ النظام السوري، وهو ما سيؤثر بصورة كبيرة على استراتيجيات الدول الغربية في التعامل مع الصراع في سوريا خلال الفترة المقبلة.