بوتفليقة: جيلي انتهى ولن أبقى بالحكم

  هابت حناشي-الجزائر


فاجأ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة  الجزائريين أمس عندما أطلق رسائل ضمنية بأنه لن يترشح لولاية رئاسية رابعة، وأن جيل الثورة الذي ينتمي إليه وما زال يحكم، قد انتهى دوره.

وقال في خطاب بولاية سطيف شرقي البلاد أمام آلاف كانوا يهتفون بحياته وطالبوه بالترشح لولاية رابعة "لا، انتهى وقتنا.. لقد تعبنا"، مكررا العبارة ثلاث مرات.

وقال بطريقة عاطفية أثارت الانتباه "عاش من عرف قدره.. الرأس تغني، لكن الأقدام لا قدرة لها على التحمل"، ليضيف "طاب جنّانا" وهو مثل شعبي محلي معناه "انتهى زماننا"، ويرتجل "لقد تعبت، لقد تعبت، لقد تعبت، لا يكلف الله نفسا إلاّ وسعها"، طالبًا من الشباب أن "يحمل المشعل"، وهي رسالة واضحة بأنه لن يبقى في منصب المسؤولية بعد انتهاء ولايته الحالية في أبريل/نيسان 2014.

وترك الرئيس خطابه المكتوب جانبا وارتجل كلمة مطولة استغرقت ساعة تقريبا، سعى بها لإقناع الجزائريين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، ودغدغ عواطف الحاضرين وأثر فيهم عندما أعلن عدم بقاء جيل الثورة -الذي ينتمي إليه- مستقبلا في الحكم، وهو أمر يتململ منه الجزائريون ويعتبرونه استحواذا على السلطة من جيل شارك في الثورة وحقق الاستقلال لكنه يرفض فسح المجال لغيره.

وقال الرئيس "نهدي للمجاهدين (الذين فجروا الثورة وما زالوا في الحكم) أكاليل الزهور، ونقول لهم: انتهى دوركم".

وبدا بوتفليقة في حالة معنوية مرتفعة لم يظهر بها منذ ثلاث سنوات على الأقل، وطالب من الحاضرين أن يصفقوا له، بقوله "سامحوني.. صفقوا عليّ.. إن التصفيق يشجعني"، ثم طلب من سيدة أن تطلق زغرودة له خصّيصا، وأطلق ذلك موجة من التصفيقات الحادة والزغاريد، حوّلت المناسبة إلى ما يشبه الحفل.

وبدا الرئيس خلال ساعة كاملة كأنه يلقي خطبة وداع، خاصة عندما طالب الجزائريين -بنبرة فيها الكثير من الأحاسيس- بالحفاظ على بلادهم، "فالجزائر أمانة في أيديكم.. يا أولادي.. لا تفرطوا فيها ولا تتركوها".

ولم يتطرق بوتفليقة إلى الأسباب التي جعلته يتخوف على مصير الجزائر، وهل هناك ما يهدد أمنها واستقرارها، أم هو مجرد خطاب لإقناع الجزائريين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع.

المرض والسن
وقال محللون إن بوتفليقة أرهقه المرض الذي أصيب به عام 2005، وتقدم سنّه، كما أنه يريد الخروج من الباب الواسع بتنظيم انتخابات برلمانية نظيفة وانتخابات رئاسية نزيهة عام 2014، دون أن يترشح لها.

 

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر عمار بلحيمر إن "بوتفليقة تأثر بما جرى في دول الربيع العربي، ويريد أن يجري الانتقال نحو المزيد من الديمقراطية في هدوء وتحت مسؤوليته".

ورحبت الطبقة السياسية بالخطاب ووصفته بالإيجابي جدا، وأجمع رؤساء الأحزاب المشاركة في الانتخابات على تثمينه.

وقال عبد العزيز بلخادم الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني والصديق الشخصي للرئيس إن "هذا الخطاب تاريخي.. إنه برنامج كبير"، في حين أطلق رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي صفة "الأب" على بوتفليقة، وقال للجزيرة نت "سمعنا اليوم أبًا يخطب أمام أبنائه وليس رئيسا للجمهورية".

ورحب جزائريون كثيرون عبر شبكات التواصل الاجتماعي بخطاب "تاريخي" لم يسمعوا مثله منذ خطابه الذي وصف فيه جنرالات الجيش الجزائري "بالقطط التي لا تخيفه".

رسائل لهولاند
من جهة أخرى، حمل خطاب الرئيس الجزائري رسائل غزل إلى الرئيس الفرنسي المنتخب فرانسوا هولاند ، ودعا إلى "قراءة موضوعية للتاريخ بعيدا عن صراع الذاكرة"، لأنها وحدها "تساعد الجانبين على تجاوز رواسب الماضي وبناء مستقبل تسوده الثقة والتفاهم والاحترام المتبادل".

وفهم من ذلك أن بوتفليقة كان بصدد الرد على رسائل تهدئة وجهها هولاند قبل بضعة أسابيع.
وكان هولاند خلال زيارة إلى الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 2011، وفي مقال نشره بجريدة الوطن الجزائرية في مارس/آذار الماضي، قد أعلن أن الاشتراكيين إذا وصلوا إلى الحكم سيقيمون علاقات مع الجزائر "مبنية على الاحترام وبعيدة عن جو التوتر"، وهو توتر ميز العلاقة بين الرئيس المنصرف نيكولا ساركوزي والحكومة الجزائرية.

وكان بوتفليقة قد أطلق مشروع معاهدة الصداقة مع الرئيس الأسبق جاك شيراك عام 2003، لكن المشروع ولد ميتا، بعدما قررت باريس تثمين بعض جوانبها الاستعمارية في قانون صادق عليه البرلمان عام 2006، أي قبل أشهر من مغادرة شيراك قصر الإليزي، وهو ما اعتبرته الجزائر ضربة موجهة لها ولشعبها، وردّت عليه بمشروع قانون يجرّم الاستعمار لم يُجزه البرلمان الجزائري لكنه أزم علاقات البلدين.

 

وجاءت الدعوة في الذكرى السابعة والستين لمجازر 8 مايو/أيار 1945 التي قتل فيها ما بين 15 و45 ألف جزائري على يد جيش الاحتلال الفرنسي والمليشيات المتعاونة معه، وهي مجازر دأبت السلطات الجزائرية على إحيائها بدعوة فرنسا إلى الاعتراف "بجرائمها".