باب النصر.. شاهد على مأساة حلب

محمد بنكاسم-حلب

بعدما كان يعج بحركة الناس والتجارة قبل اندلاع الاشتباكات بين الجيشين النظامي والحر في شهر أغسطس/آب الماضي، تحول حي باب النصر -وهو أحد أشهر أحياء البلدة القديمة في حلب- إلى ديار مهجورة.

فالبيوت والمحلات التجارية مغلقة والعديد منها شملها الدمار، وحركة الناس في الشوارع شبه منعدمة إلا من بعض الراجلين الباحثين عن تأمين الخبز، أو الثوار المسلحين، أو العربات والدراجات النارية التي تمر مسرعة.

ويقول عدد من الشباب الحلبيين -الذين التقتهم الجزيرة نت في أزقة البلدة القديمة- إن أغلب سكانها نزحوا منها إلى مناطق أقل خطورة مثل الباب وتادف، حيث استقبلتهم عائلات هناك واقتسمت معهم منازلها، أو قام الثوار باستغلال مؤسسات تابعة للدولة سيطروا عليها مثل مقر الشرطة وسكن الضباط، وحولوها إلى مساكن للنازحين.

لا أثر لأي نشاط تجاري في منطقة باب النصر المعروفة بالقرطاسية وتجارة الورق، فقد نزح أغلب سكان الحي إلى أحياء أخرى داخل حلب وفي ريفها، وخارج سوريا في مدن تركية، والعديد منهم خسر تجارته إما بالقصف والحرائق التي نشبت جراء القذائف أو بسبب بعض عمليات السرقة التي تمت في غياب أصحابها.

الكهرباء مفقودة
على مقربة من باب النصر التاريخي، وجدنا شبابا قد اعتلوا بناية مهجورة من أجل الوصول لأسلاك إنارة عمومية وربطها ببيوت مجاورة غابت عنها الكهرباء منذ أغسطس/آب الماضي، حيث لا توجد الكهرباء في حي باب النصر برمتها منذ أشهر، ما عدا أزقة تحصل عليها لسويعات فقط.

ورفض هؤلاء الشباب الحديث للجزيرة نت، في حين قال شاب آخر يراقب عملهم -والغضب باد على محياه- 'منذ أن دخل الجيش الحر ونحن محرومون من الكهرباء'.

رَفضُ الحديث لوسائل الإعلام لمسناه لدى العديد ممن تبقى من أهالي البلدة القديمة، حيث يخافون استهداف النظام لهم، خصوصا أنهم يتنقلون بين المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار وتلك التي ما زالت بيد النظام خارج البلدة القديمة.

وبعد محاولات عديدة، تحدث إلينا أبو محمد الحلبي، الذي نزح مع أبيه وعائلته من باب النصر إلى اللاذقية منذ ستة أشهر حيث سكن في منزل أخته، تاركا كل ممتلكاته وعمله في أحد مصانع البلاستيك في حلب، إلا أنه رجع إلى بيته بسبب سوء أوضاع النازحين في اللاذقية التي لا تزال تحت سيطرة النظام.

ويشير محمد إلى أن سكان البلدة القديمة انتقلوا من مناطق القصف والاشتباكات مثل باب النصر وسبع بحرات إلى أحياء أقل خطورة، مثل الحمدانية والجميلية وشارع الفيصل ومساكن هنانو وحلب الجديدة والأشرفية، كما نزح بعضهم إلى ريف حلب واللاذقية وتركيا.

وعاينت الجزيرة محلا تجاريا قد دمر سقفه وجدرانه واحترقت محتوياته، وقد كان يحوي -حسب إفادات البعض- منتوجات بلاستيكية وقرطاسية، واستمرت النيران داخله لأيام دون أن تصل إليها سيارات الإطفاء، ويضيف أبو محمد أن القذيفة كانت تنزل على منزل واحد فتهدم المنازل المحيطة بحكم أنها تعود لمئات السنين.

معاناة ونزوح
ويقول شيخ من أهالي حلب إن الناس تعاني كثيرا في الحصول على مواد التدفئة والمواد المعيشية الأساسية في ظل فقدان الكثير لمصدر زرقهم وتهدم بيوت العديد منهم، ومنها بيت أحد أقارب هذا الشيخ في باب النصر.

وبخلاف الكثير من الناس التي تركت منازلها ومحلاتها التجارية، لم يستطع الشيخ النزوح مع أبنائه الصغار لعدم توفرهم على بديل، فاضطروا للبقاء رغم القصف وسوء الوضع المعيشي في البلدة القديمة، على أمل أن تزول هذه الغمة، على حد قوله.

بعد جولة في أزقة باب النصر لم تخلُ من سماع طلقات رصاص متفرقة، وجدنا سيدة وهي قادمة إلى محل يقدم صاحبه خبزا للمحتاجين، وما أكثرهم في حلب. وبمجرد سؤالها عن أحوال الناس، قالت -والأسى يملأ حديثها- إنها تتمنى سرعة زوال نظام بشار الأسد الذي دفعها لمد يدها طلباً لمساعدات غذائية بعدما كانت مستورة الحال.

وبكلمات يختلط فيها الحديث بالبكاء، تطلب السيدة من الله أن يفرج عن السوريين كربتهم قريبا فالناس في ضيق شديد، وأطلقت نداء استغاثة للدول الأجنبية لتساعد الشعب السوري من الظلم الكبير الذي وقع عليه، وتضيف أن الناس لا تكاد تجد الماء والغاز والخبز والكهرباء.

آثار مهدمة
تلمس اعتزاز سكان البلدة القديمة بتراثهم الحضاري عندما تتحدث معهم، ولهذا فإن مصابهم بتدمير معالم أثرية يكاد يوازي مصابهم بتهدم منازلهم وضياع تجارتهم، ويقول أحد سكان باب النصر إن آلة الدمار طالت تراث الأجداد الذي كان السياح يأتونه من مشارق الأرض ومغاربها للاطلاع عليه والتعرف على حياة الناس قبل مئات السنين.

ومن المعالم التاريخية في البلدة القديمة التي طالها القصف، المسجد الأموي ومسجد العثمانية ومسجد القاضي، فضلا عن قصور قديمة مثل قصر حسن بيك.

وطوال جولتنا في باب النصر، كنا نرى بين الفينة والأخرى مساجد قد دمرت مآذنها وقبابها كليا أو جزئيا. ولم يستثن القصف الكنائس ومنها كنيسة تاريخية في باب النصر، حيث تعرضت لقذيفة هاون أحدثت ثقبا في سقفها. وقد توقفت الدراسة في روضة وحضانة توجدان ضمن الكنيسة منذ أغسطس/آب الماضي.

وفي فناء الكنيسة يوجد متحف للأجهزة العلمية القديمة جمع الثوار مكوناته ووضعوها في مكان آخر أكثر آمنا مخافة أن تدمرها قذيفة أخرى، ويقول الناشط الإعلامي في لواء التوحيد أبو يزن إن تجميع هذه المقتنيات هو أقصى ما يمكن أن يقوم به الثوار، لحفظ هذا التراث للأجيال السورية المقبلة.