الفنون والعمارة الأمازيغية في المغرب

نزار الفراوي-الرباط

تجمع الفنون الأمازيغية -التي تحتفظ برونقها وحيويتها مندمجة في نمط حياة التجمعات السكانية الأمازيغية في المغرب- بين طابعها الوظيفي الذي يفيد منفعتها المباشرة في استخدامها اليومي، وقيمتها الرمزية المستمدة من تعبيرها عن ذاكرة إبداع حضاري عريق.

وإن كانت هذه الفنون الأصيلة تشع بحضورها المتواصل في المظاهر المعمارية للقرى وصناعاتها التقليدية المتوارثة ورموزها الحية في الطقوس الاجتماعية والمعدات المادية، فإن إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أعطى لهذا الموروث التاريخي الغني دفعة جديدة وأعاد الاعتبار لجانب هام من مقومات الهوية المغربية، متعددة الروافد.

ويعمل هذا المعهد -الذي أسس عام 2001 من خلال تعبئة طواقم من الباحثين وفرق عمل متخصصة- على تعميق البحث في الكنوز الأمازيغية وتعبيراتها المختلفة، وتوثيقها بشكل معرفي حديث بناء على مكتسبات العلوم الحديثة، وإماطة اللثام عن أسرارها الجمالية ودلالاتها الرمزية في السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية للقرية الأمازيغية.

عمل بحثي
ويعد كتاب 'الفنون والعمارة الأمازيغية بالمغرب' -الذي صدر عن المعهد في 275 صفحة من القطع الكبير، وبحلة أنيقة- أحد أهم ثمار العمل البحثي الذي زاوج بين نصوص ذات طابع أركيولوجي وأنثروبولوجي ساهم فيها باحثون مغاربة وأجانب، وصور توثق بصريا لعينات من التراث الفني والمعماري الأمازيغي.

ويتعلق الأمر بنصوص وصور تستجلي جماليات التراث الأمازيغي في النقش الصخري والحلي والزرابي وصناعات الخزف والخشب، فضلا عن التراث المعماري التقليدي. هي نصوص تقرب الجمهور والمتخصصين على السواء من الأبعاد المادية للثقافة الأمازيغية من خلال تصميم الحلي والمواد الخشبية والديكور والمسكن ومن أبعادها اللامادية التي تحيل إلى الفكر والخبرة والمتخيل.

ويرى الباحث مصطفى جلوق أن إعداد الكتاب يرمي إلى تفنيد المقاربة الإثنوغرافية المنغلقة للفنون الأمازيغية بوصفها موروثا شعبيا مكانه في المتاحف أكثر من كونه فنا أصيلا مكتمل الذات يستحق الاحتفاء به في المحافل الفنية الحديثة. وهي مقاربة تنحدر من القناعات الغربية أو المتغربة، التي تضمر تفوق ثقافة على أخرى.

ويضيف الباحث الذي أشرف على تنسيق مواد الإصدار في تقديمه أنه من وجهة النظر الأنثروبولوجية، كل جماعة بشرية تنتج أشكالها التعبيرية الخاصة وتبدع هندستها العمرانية وفق حاجياتها وتشكيلها وتمثلها للعالم الحقيقي أو المتخيل.

وتوضح مقاربة هذه الأبعاد من الثقافة الأمازيغية أن الجمالية القروية تختلف عن نظيرتها الحضرية. الجمال القروي جمال ذو طابع استخدامي منفعي مباشر، إنه أيضا تجريدي وجماعي.

نوافذ أنثروبولوجية
وفي صنعه للإبداعات التقليدية، يلاحظ عميد معهد الثقافة الأمازيغية، أحمد بوكوس، أن الصانع التقليدي لا يميز كثيرا بين المادة الأولية الغنية والفقيرة، (قماش أو طين...) بل يعوض فقر المادة بجمالية الأشكال وثرائها. وفي ذلك، يظل الصانع مرتبطا ببيئته الأصيلة، مستلهما إبداعاته من معين المتخيل الجمعي الذي يتناغم مع رؤيته الفنية الخاصة.

ويحذر أحمد بوكوس من الخطر المحدق بهذه الكنوز، وبجميع الفنون القروية، التي تجد نفسها مجتاحة بالصناعات التجارية واسعة الاستهلاك التي توفرها السوق الاقتصادية في زمن العولمة. إنها منتجات تخلق حاجيات جديدة وتفرض نماذج ثقافية غريبة عن مجتمع الاستقبال وتساهم في ضرب بنيات الإنتاج في المجتمع التقليدي، ناهيك عن المخاطر المزمنة المتمثلة في التهريب والاتجار غير المشروع في كنوز الفن الأمازيغي القروي.

من الخريطة الواسعة لظاهرة النقوش الصخرية التي تكشف تحركات الجماعات البشرية في المغرب القديم، وجوانب من الانشغالات اليومية والميتافيزيقية للإنسان، إلى التصاميم المختلفة للمجوهرات، أشكالها، تقنيات تنميقها، دلالاتها الاجتماعية الفئوية، مرورا بأسرار صناعات الزرابي في البيوت الأمازيغية، زخرفتها واستخداماتها، وصولا إلى عبقرية النقش على الخشب ووظائفه في تأثيث البيت وتوفير مستلزمات الحياة اليومية فضلا عن أبعاده الفنية الإبداعية.

هذه كلها نوافذ أنثروبولجية وفنية على تراث أمازيغي حي يحكي قصة إبداع بشري جماعي يدافع عن حضوره باستماتة في عالم التنميط الثقافي.