(افتح قلبك مع د. هبة يس).. حيث لا ينفع الندم

أرسلت إلى افتح قلبك تقول:
أنا فتاة فى العشرينات، دكتورة، باشتغل وأمورى مستقرة والحمد لله، علاقتى بأسرتى عادية إلى حد كبير، فيما عدا علاقتى بوالدى، والدى كان طول الوقت بعيدا، ومحافظ جدا فى مشاعره، لدرجة أنى كبرت وأنا عندى إحساس أن والدى ما بيحبناش، أو مابيحسش بأى مشاعر من ناحيتنا إحنا ولاده، بل على العكس كنت بأحس أحيانا أنه بيتعمد يرفض طلباتنا، أو يخنقنا فى كثير من المواقف، اللى كانت ممكن تكون ألطف وأسهل بكتير مع أبهات تانيه غير والدى.

كبرت، واشتغلت، وأصبح لى حياتى المستقلة إلى حد ما، وارتبطت بشاب رأيته شخصا مناسبا ظاهريا، عجبنى فكرة أنه اخترنى، وأنى اخترته، وأنه مكانش شئ تقليديا زى ما بيحصل مع ناس كتير، قدمته لأهلى بعد ما هو طلب يتقدم لى رسمي، وقابل والدى فعلا، وكانت النتيجه أن والدى ما وافقش عليه، كان له أسبابه إلى حاول يفهمهالى ويقنعنى بيها، لكن أنا وبناء على فكرة أن والدى شخص متحكم ومش بيحبنى، قررت أعند ، وأقاوم بشدة، وأقفل ودانى عن أى كلمة كان والدى بيقولها لى، حاول كتير إنه يحسسنى أنه بيفكر فى مستقبلى، وأنه بحكم خبرته حاسس إن الشاب ده مش شخصية كويسة، لكن أنا دافعت بكل ماعندى من قوة، وصممت، وفى الآخر مكانش فى خيار آخر غير إن إحنا نتخطب فعلا، وتمت الخطوبة بدبلتين، لكن بالرغم من كده أنا كنت سعيدة جدا يومها، لأنى كان عندى إحساس أنى نفذت إللى أنا عايزاه، وانتصرت على والدى، وأجبرته على أنه يعمل حاجة هو مش عايزها، زى ما كان بيعمل معايا طول عمره.

بعد الخطوبة بدأت الاحتكاكات الحقيقية بينى وبين خطيبى، ظهرت لى مشاكله وعيوبه، اللى هى بالضبط كان بيقول لى عليها والدى، واللى استغربت جدا من أنه فهمها وخد باله منها بالسرعة دى، لكن برضه ركبت دماغى، وكملت دور العند للعند، وفضلت معاه، بل والأكتر من كده أنه مع كل خلاف بينى وبين خطيبى، كنت أنا اللى بصالحه وأطيب خاطره، وأمشى الأمور، حتى لو أنا متأكدة أن هو اللى غلطان، كل ده عشان العلاقة ماتبوظش، وأبان أدام والدى انى اخترت غلط، وان كلامه هواللى كان صح.

بعد فترة والد خطيبى تعب ودخل المستشفى، والحمد لله قدرت بحكم شغلى أنى أدخله مستشفى كويسه جدا، وخليت فريق طبى محترم يتابع حالته، ويوفر له كل الرعاية الممكنة، كنت تقريبا معاهم فى المستشفى كل يوم، بالرغم من طول المدة، حتى ان أهل خطيبى شهدوا لى بأنى وقفت معاهم الفترة دى أكتر من ناس من أهلهم نفسهم.

الوقت ده كان والدى مسافر فى شغل، عشان كده والدتى بس هى اللى زارت حمايا فى المستشفى، ده غير زياراتى اللى لا تنقطع ومتابعتى للأطباء والتمريض وصرف الأدوية وغيره، لكن كل ده ما شفعش ليا عند خطيبى، واعتبر أن والدى كان متعمد انه يتجاهله ويتجاهل والده، وانه مكانش من الأصول انه ما يزورش والده ولو مرة واحدة، حاولت أفهمه وأحكى له عن الموقف، لكن هو كان عنده فكره مسبقة ان والدى مكانش موافق عليه، وانه اضطر لقبول خطوبتنا، عشان كده هو بيحاول يقلل من شأنه هو وأهله طول الوقت.

الموضوع كان كبيرا جدا فى دماغه لدرجة أنه عمل خلاف كبير بيننا، وأنا مبقتش عارفه أرضيه إزاى، لدرجة أنى كنت مضغوطة عصبيا جدا فى الفترة دى، بالإضافه إلى الإجهاد الجسمانى معاهم فى المستشفى اغلب اليوم، بدأت أحس انه _خطيبي_ شخص أنانى جدا، ومابيقدرش أى جهد بحاول أعمله، ولا بيهتم بمشاعرى انا ولا حالتى أنا، ولاتعبى أنا، كل الى يهمه طول الوقت هورضاه، ورضاه اهله وراحتهم هم بس، بدأت أكتشف انى أنا الى طول الوقت مطلوب منى تصليح اى موقف، والاعتذار عن أى خطأ، واسعاد الطرف الآخر، سواء كان الطرف الآخر ده هوأووالده أواى حد من طرفه، لكن أنا ظروفى ايه؟، موقفى ايه؟، حاسه بايه ؟، مش مهم، وده برضه الى كان والدى بيقول لى عليه قبل كده، قال لى انه من النوع الى عايز ياخد طول الوقت من غير ما يدي.

استحملت وعديت الفتره دي، وقلت نبقى نتكلم بعد ما والده يخرج من المستشفى، وفعلا الأحوال بدأت تتحسن بينى وبين خطيبى بعدها، وأول ما لقيت فرصه انى أكلمه فى الى مضايقنى اتفاجئت بشخص تانى خالص، لسه باقوله ان الفتره الى فاتت دى خلتنى أشيل منه، وان فى حاجات ضايقتنى كتير وانا سكت عليها، لقيته غضب وثار، وبدأ يهاجم بكلام جارح جدا، حتى ان غلط فيا وفى أهلى بدون اى حرج ، وكأننا كنا فعلا طول الوقت مقصرين معاه، المشكله انى مش بس اتفاجئت بالأسلوب وبطريقة الكلام، لأ المشكله الأكبر ان والدى كان موجود وقتها وسمع كل الحوار الى دار بينى وبين خطيبي، وطبعا سمع اهانته بودانه، وقتها بص لى وهوساكت، وكأنه بيقول لى (شفتى البنى آدم الى انتى مصره عليه شكله ايه؟، شفتى انه طلع زى ماقلت لك بالضبط ازاي؟، شفتى عملتى فى نفسك وفينا ايه؟).....

طبعا بعدها مقدرتش أكابر، لأنى حتى بينى وبين نفسى مابقتش قادره استحمل أكتر من كده، فسخت الخطوبه، وقررت انى أنقذ ما يمكن انقاذه، والمفاجأه انى مالقتش أى رد فعل أوتمسك من خطيبي، بالعكس خد الموضوع على انه اهانه لكرامته كالعاده، وانى أنا الى غلطت فى حقه، وانى اكيد هاندم وهافهم غلطتى دى بعد فتره، والدته حاولت تتدخل اكتر من مره، لكن بعد فتره بسيطه اتصلت بيا وقالت لى طالما مفيش نصيب يبقى معلش ياريت ترجعى لنا الدبله !!!....رجعتها وأنا باتعجب من انى ازاى مافهمتش الشخص ده ولا الناس دى من الأول؟، هوأنا كنت عميه وغبيه للدرجه دي؟، ولا هوالعند الى عمانى وخلانى اكمل فى طريق أنا عارفه انه غلط؟.

مرت الأيام ووالدى أنا تعب جدا ودخل المستشفى، حالته كانت خطيره جدا، طبعا خطيبى وأهله عرفوا، والدته اتصلت وسألت عليا، لكن هولأ، قالت لى انه لسه شايل منى وانه اعتبرنى جرحت كرامته لما فسخت الخطوبه، بصراحه ماهتمتش بيه هو، لكن زعلت جدا على نفسي، وعلى مشاعرى الى ضيعتها مع واحد زى ده، لا بيحس ولا بيقدر، ولا بيشوف فى الدنيا غير نفسه.

والدى اتوفى بعدها بفتره بسيطه، وأنا الى استلمت الجثمان من المستشفى، وأنا آخر حد شفته قبل الدفن، مش عارفه ليه حسيت انه كان بيكلمنى وقتها، مش قادره انسى شكله وهوجثه هامده ، بلا روح، لا حول له ولاقوه، كنت حاسه انه بيقول لى وقتها انى ظلمته كتير، وانى بعدت عنه كتير، وانى كنت دايما بافكر فيه على انه أب مش كويس، مع انه كان بيخاف علينا وعايز مصلحتنا فى النهايه، حسيت انه كان بيلومنى على انى عاندته، وقهرته، واخترت شخص غلط بس عشان أضايقه، وأثبت له انه مش عارف يتحكم فيا.

فات وقت على وفاة والدى لكن انا تعبانه، وندمانه، ومش عارفه اصلح غلطتى ازاي، خلاص فات الأوان، ايه الى ممكن أعمله عشان اخلى والدى يسامحنى ويرضى عني؟، ايه الى ممكن أعمله عشان أنا اسامح نفسي؟، عندى تأنيب ضمير واحساس بالذنب طول الوقت، ومش عارفه أتعامل مع حياتى زى ماكنت عايشه قبل وفاة والدي، فاضل انى أقولك ان والدة خطيبى عزتنى فى والدي، وكانت بتقول لى فيما معناه ( انه خلاص مات الى كان واقف بينك وبين ابني، تعالى بقى صالحيه وراضيه، وارجعوا لبعض)، طبعا أنا مكنتش فى حاله تسمح لى انى أرد عليها، لكن أرجع واقول أنا الى غلطانه من البدايه، لأنى أنا الى خليتهم يفكروا فى والدى بالشكل ده، وأنا الى كنت معاهم عليه، وأنا الى قللت من نفسى ومنه، مع انه فى الأول وفى الآخر كان بيعمل كده عشان بيحب لى الخير اكتر من اى حد تانى فى الدنيا.

والى (.....) أقول:
أولا البقاء لله ، أعانك الله على فقدان والدك,واسكنه فسيح جناته، الندم وتأنيب الضمير، والاحساس بضياع الفرصه وأن الوقت قد فات، كلها مشاعر سلبيه لن يكون لها اى مردود أونفع فى المستقبل مهما عذبتى نفسك بيهم ولولسنوات طويله، قدر الله وما شاء فعل، ووفاة والدك كان أمرا محتوما لا يد لكى أوحيلة فيه، والشئ الوحيد الذى سيخفف من ألمك وحزنك هوأن تحولى كل هذه المشاعر السلبيه الى شئ ايجابي، شئ مفيد لكى ولوالدك ولبقية اخوتك، وساحاول أن أساعدك فى ذلك.

فى البدايه خلينا نتكلم عن بعض من(مسلمات) الحياه، الى لوأمنا بحتمية وجودها هانرتاح وهانريح نفسنا من كتير من الضغوط الى مالهاش لازمه ولا حل....

أولا :محدش فينا يقدر يغير الظروف الى حواليه، ولا يمنع الأحداث من الحدوث، لكن الانسان الايجابى هوالى بيقدر يستفيد من كل الى بيحصل له، حتى لوكان حدث سئ، بأنه دايما يحاول يفهم الحكمه منه، أوالشئ الى ممكن يتعلمه من موقف زى ده.

يعنى مثلا فى حالتك مكانش ممكن تغيرى من طبع والدك فى التعامل معاكى،ومكانش ممكن تؤخرى من موعد وفاته، حتى تتمكنى من الاعتذار له، أوالاعتراف له بجميله، لكن بدل ما تقضى بقية عمرك حزينه وندمانه على ده، ممكن جدا تحولى الطاقه الى جواكى دى لعمل خير تعمليه باستمرار لصالح والدك، حتى وان كان مجرد الدعاء له والترحم عليه كل يوم، خلى احساسك الى ظهر جواكى متأخر ناحيته ده يظهر على هيئة نفع له بعد مماته، هومش الرسول عليه الصلاة والسلام قال انه لومات البنى آدم بينقطع عمله الا من 3 حاجات، أحدهم (ولد صالح يدعوله)، كونى انتى الولد الصالح ده _ وطبعا كلمة ولد هنا تشمل الذكر والأنثى_ خلى فهمك المتأخر لموقف والدك ده دافع وحافز ومذكر ليكى انك تفتكريه وتبعتى له هديه كل يوم اوكل ما تقدري، عمره، صدقه جاريه، قراءة قرآن، دعاء، اى حاجه تعمليها تبقى فى ميزان حسناته، وبكده تكونى ترجمتى احساسك ناحيته على شكل حاجه ايجابيه، تنفعه، وتسعده ، وترفع من درجاته، ومين عارف مش يمكن كل ده حصل عشان تكونى انتى بدعائك وبعملك الصالح لوالدك، سبب فى دخوله الجنه؟.

ثانيا: البنى آدم لازم يغلط عشان يتعلم، كل ابن آدم خطاء، دى قاعده لازم كلنا نقر ونسلم بيها، مين فينا ماغلطش؟، ومين فينا مافهمش مره غلط؟، أواتصرف بغباء وتهور؟، كان لازم تتكعبلى فى شخص زى خطيبك ده، عشان تتعلمى تفهمى الناس، وعشان تصدقى ان أهلك ليهم نظره وعندهم خبره ممكن تنفعك فعلا، وعشان تقتنعى بأن والدك كان بيحبك وبيخاف عليكى بجد، حتى وان بدى انه بيمنعك من الحاجات الى انتى بتحبيها فى بعض الأوقات.

فماتلوميش نفسك على غلطك اكتر من اللازم، اتأكدى ان هوده التمن الى بندفعه عشان نتعلم ونكبر وننضج فى الحياه، وصدقينى محدش بيتعلم بالساهل، دايما لازم يكون فى تجارب، ومشاكل، وازمات عشان فى الآخر تقدرى تفرقى بين الصح والغلط، فى حكمه بتقول (ان البحار الهادئه لا تصنع بحارا ماهرا)، يعنى الى بيعيش طول عمره بعيد عن الناس والاحتكاك والحياه، ممكن يعيش سليم آه، لكن عمره ما بيتعلم حاجه.

ثالثا: لا يلدغ مؤمن من جحر مرتان، يعنى ايه؟، يعنى انتى عشتى سنين عمرك كلها حارمه نفسك من والدك، وحارماه هوكمان منك، ومافهمتيش غلطك الا بعد وفاته، عشان كده جه الوقت انك تراجعى كل علاقاتك التانيه من اول وجديد، ياترى علاقتك بوالدتك شكلها ايه؟، وباخواتك، وبقرايبك واصحابك؟، ياترى فى حد انتى محتاجه تصلحى علاقتك معاه قبل ما يفوت الآوان للمره التانيه؟، لوانتى اتعلمتى من التجربه الى فاتت دى صحيح، لازم تبدأى تفكرى فى علاقاتك بالآخرين بشكل مختلف، ممكن ده يخليكى تسامحى اكتر، تعذرى أكتر، تتساهلى اكتر، يخليكى تحاولى تحطى نفسك مكان الغير وتقدرى وجهة نظره ، بدل ما تحكمى عليه بالسلب دايما من بعيد لبعيد.

حاجة أخيرة عايزة أقولهالك، لو بقية إخواتك إحساسهم ناحية والدك كان نفس إحساسك، فيا ريت تكونى إنتى الدرس والعبرة والرسالة اللى توصل للجميع، لازم تحاولى تفهميهم زى مافهمتى، ولازم تحاولى تصلحى من تفكيرهم هم كمان ناحية والدكم، عرفيهم أنه ممكن جدا تكونوا إنتوا اللى فهمتوا غلط، وبررتوا لنفسكم البعد عن ابوكم بحجة ان هوالى كان وحش، وان هوالى كان بعيد، وان هوالى كان صعب، ياريت تقدرى تحننى قلبهم عليه، وتغيرى تفكيرهم فيه، وصدقينى ده هايفرق كتير جدا فى حياتك وحياتهم، حتى وان كان ده بعد موت والدكم، ومفارقته ليكم.

للمره التانيه باقولك ان احنا مانقدرش نمنع الحاجات الوحشه من الحدوث، لكن الحاجات دى بتحصل عشان نتعلم منها حاجه، نفهم منها حاجه، نتغير فى حاجه، نصلح من حاجة، لكن عمر ما الحزن والندم والحسرة كانوا حلا لأى شئ، بل بالعكس أنا باعتبر أن الاكتفاء بيهم قمة السلبية والتخاذل، لأنه ربنا دايما عايزنا أحسن، وأفضل، وأقوى مهما كانت صعوبة الظروف.

للتواصل مع د. هبة وافتح قلبك: h.yasien@youm7.com