آثار سوريا.. من الإهمال إلى الدمار

محمد النجار-معرة النعمان

رغم التركيز الإعلامي على الدمار الذي تتعرض له معالم تاريخية هامة في سوريا لا سيما السوق الأثري في مدينة حلب وقلعتها وقلعة حماة وغيرها من المعالم التي تزخر بها سوريا، فإن جولة على بعض الآثار بشمال البلاد تظهر أنها انتقلت من مرحلة الإهمال إلى الدمار.

في معرة النعمان -وهي أهم مدن ريف إدلب والواقعة على الطريق الدولي بين حلب ودمشق على بعد 40 كلم إلى الجنوب من مدينة إدلب وتحاصرها قوات النظام من جهة هذا الطريق بينما يسيطر الجيش الحر على بقية المدينة- يطلع الزائر لها على واقع مدينة سورية أثرية فتك الدمار والإهمال على مدى عقود بعدد من معالمها التاريخية.

في وسط المدينة -الذي شهد معركة ساخنة بين القوات الموالية للرئيس بشار الأسد والجيش الحر وانتهت بسيطرة الأخير عليه- يشاهد الزائر معاناة التاريخ الذي تجسده المعالم هناك.

ثنائية
فعلى جانبي تمثال الشاعر العربي أبي العلاء المعري وسط المدينة، تقع ثنائية المدينة التاريخية وهي خاني مراد باشا الذي يضم المتحف التاريخي في المدينة، وخان أسعد باشا الذي لحق به الخراب من كل ناحية بعد أن أكد ناشطون للجزيرة نت أن قوات النظام السوري كانت تتخذه مقرا لها قبل انسحابها بعد معارك شرسة.

أما المتحف فيضم آثارا تاريخية من حقب زمنية مختلفة من العصور الرومانية إلى الإسلامية وصولا للآثار الأكثر ظهورا وهي العثمانية.

تحرس قوات من ألوية الجيش الحر المتحف والخان بعد أن قام نشطاء في المدينة بإغلاق المتحف انتظارا لما ستؤول إليه الأمور في المعرة، وتمنع الدخول إليه، لكنها سمحت لنا بالتصوير بداخل ساحاته دون فتح المتحف الذي تشرف عليه لجنة من نشطاء المعرة.

وفي السوق الرئيسي في المدينة والمحاذي لوسطها التاريخي، يشاهد المرء مبنى البلدية الأثري الذي يقول نشطاء المعرة إن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر زاره في ستينيات القرن الماضي.

وفي شارع الكورنيش -أهم الشوارع التجارية بالمعرة- يتوقف الزائر في ساحة المسجد التاريخي بالمدينة والذي يعتبر لوحة معمارية ناطقة من الخارج والداخل وخاصة مأذنته التي يراها أبناء المعرة من كل أطراف المدينة.

دمار
في السوق يلاحظ المتجول مدى الدمار الذي لحق بالدكاكين التراثية التي يعود عمر البعض منها لأكثر من قرن من الزمان، كما يلاحظ مدى تأثر السوق بالمواجهات التي شهدها، فرغم الازدحام البادي عليه فإن النشطاء شرحوا أنه لا يمثل ربع الحركة الطبيعية في المدينة التي يقطنها 120 ألف نسمة وتعتبر مركزا لريفها المكون من نحو 70 قرية.

في وسط السوق يقع مقر المركز الثقافي العربي الذي يضم ضريح الشاعر العربي الشهير أبي العلاء المعري ويظهر مدى الإهمال في الضريح والمبنى المحيط به والذي كتب على أحد جدرانه بيت الشاعر الشهير 'هذا ما جناه أبي علي.. وما جنيت على أحد'.

في ريف المعرة يطلع الزائر على كنوز أثرية عنوانها الرئيسي الإهمال رغم جمالها وكثرتها.

زارت الجزيرة نت آثارا في مناطق جرادة والرويحة والغدفة وإيبلا وغيرها الزاخرة بالآثار الرومانية والإسلامية من عصور مختلفة، شمل بعضها القصف، لكن المتجول لا يجد أي مركز في مناطق هذه الآثار، وهو ما يعزز رواية النشطاء المعارضين من أن هذه الآثار ظلت عنوانا للإهمال من قبل الحكومات السورية المتعاقبة إلى أن وصل الدمار أجزاء منها بفعل القصف.

تحولت بعض هذه الآثار لمساكن لمهجرين من مناطق عدة، لكن بعضها تحول أيضا لزرائب للأغنام، بينما يقول نشطاء معارضون إنهم شكلوا لجانا لحفظ هذه الآثار وتنظيفها والمحافظة عليها، ويعدون بزمن سيتم فيه الاهتمام بالآثار وخاصة بمحافظة إدلب التي يتهمون النظام السوري بتعمد إهمالها.

اتهام
عضو المجلس الوطني السوري وأحد نشطاء معرة النعمان الدكتور عثمان بديوي قال للجزيرة نت إن أضرارا كبيرة لحقت بوسط مدينة معرة النعمان وخاصة تمثال أبي العلاء المعري وخاني مراد باشا وأسعد باشا والمتحف التاريخي بالمعرة والسوق الذي يعتبر كنزا تاريخيا مهما وذلك بسبب تمركز 'الجيش الأسدي هناك'.

وقال بديوي 'لا ندري حقيقة ماذا بقي وماذا سرق من المتحف من قبل العناصر والضباط الذين تمركزوا بالمتحف التاريخي لأنه لا يوجد لدينا قوائم ولم يعد الموظفون العاملون لإحصاء محتويات المتحف'.

واتهم بديوي النظام السوري بأنه أهمل الآثار التاريخية في معرة النعمان وريفها عوضا عن مناطق سوريا الأخرى 'لأنه لم يكن يهتم إلا ببقائه في الحكم وتزوير تاريخ سوريا ليبدأ من عنده ومن عند آل الأسد'.

وتساءل بديوي عن موقف المنظمات الدولية المعنية بالآثار من القصف المتواصل على الأماكن الأثرية في طول سوريا وعرضها، وتابع 'النظام أهمل الآثار سابقا وقصفها لاحقا فدمر تاريخنا كما يريد أن يدمر مستقبلنا'.