محمود القصاص
بي بي سي- بنغازي
الخميس 16 فبرايرجولة سريعة في شوارع بنغازي توضح الاهمال الشديد الذي تعرضت له المدينة في عهد معمر القذافي.
فهناك مجموعة من الهياكل الخرسانية لمشاريع كثيرة لم تكتمل منذ سنوات طويلة، من بينها مستشفيات وملاعب ومجمعات تجارية. ويتحدث كل من قابلتهم من اهالي بنغازي بمرارة شديدة عن هذه المباني، ويقولون ان القذافي كان يتظاهر بأنه يقوم بمشروعات لتنمية المدينة لكن لم ينجز منها شيئا، وان القذافي وابناؤه كانوا يكنون عداء شديدا لمدينة بنغازي التي انتفضت ضدهم مرتين في عامي 1996 و2006، لكن الانتفاضتين تعرضتا لقمع شديد، حتى جاءت الانتفاضة الاكبر في عام 2011 لتمتد الى باقي مناطق شرق ليبيا ثم الى غربها.
سألت مصطفى، وهو احد المقاتلين الذي شاركوا في المعارك في بنغازي منذ بدايتها، عن سبب فشل الانتفاضتين السابقتين لبنغازي فقال ان السبب هو غياب الاعلام والدعم الخارجي لاهالي بنغازي. وعندما توافر الدعم الاعلامي، في صورة تغطية مستمرة ومكثفة من الفضائيات، والدعم العسكري في صورة تقديم التسليح والتدريب للثوار، تمكنوا من التخلص من النظام كما كانوا يطمحون منذ سنوات طويلة.
اشار مصطفى الى مقر الكتيبة التي كانت مسؤولة عن تأمين بنغازي في عهد القذافي، والتي لم يبق من مبانيها الا حوائط مهدمة ومحروقة، وقال ان هذه المنطقة شهدت معارك قاسية، ومات فيها الكثير من الطرفين: الثوار وقوات القذافي.
ويقدر كثير من الناشطين والصحفيين الليبيين الذين التقيت بهم عدد القتلى من الثوار بنحو 50 ألف فرد، كما يقولون ان عددا مماثلا وربما اكثر، من القتلى سقط في صفوف قوات القذافي، هذا بخلاف اعداد ضخمة من المصابين في الجانبين، الامر الذي يعني ان تكلفة تغيير النظام في ليبيا كانت هائلة وقاسية، وامتدت لكل عائلة في ليبيا كما يؤكد الجميع.
انتهت جولتي في شوارع بنغازي وسط جموع من الشباب الذين يرفعون الاعلام ويرددون شعارهم المفضل: "ارفع رأسك انت ليبي حر".
الاربعاء 15 فبراير/شباطكادت ان تتحول اولى معاملاتنا في مطار طرابلس الى مشكلة بعد ان اكتشفت مجموعة من الثوار الذين يقومون بتأمين المطار ان احد الفنيين الانجليز المرافقين لنا يحمل زجاجات من الخمر في حقائبه، الامر الذي اثار حنق هؤلاء الشباب وضيقهم.
وعندما اوضحت لهم ان الشاب الانجليزي لم يسافر الى ليبيا من قبل، ولايعرف انظمتها قالوا انني اتحمل مسؤولية التقصير في هذه الحالة لانني لم اعرفه بما هو مسموح او ممنوع في ليبيا كبلد اسلامي لا يقبل دخول الخمور اليه.
وانتهى الامر بان اعتذر الشاب الانجليزي عن الخطأ غير المقصود، وصادر الثوار زجاجات الخمر، واطالوا من اجراءات التفتيش حتى يتأكدوا انه لا توجد ممنوعات اخرى.
مشاهد الثوار، الذين يبدو على اكثرهم علامات الانتماء الديني، في مطار طرابلس توضح ان ليبيا تتجه بلا شك الى دور اكبر للاسلام في الحياة السياسية.
غياباما ما شاهدته في شوارع المدينة فيوضح ان العاصمة لم تعرف بعد الاستقرار، وان مجموعات الثوار التي تنتمي لمناطق محددة، تمتلك القوة الفعلية وغياب سلطة مركزية قوية.
فعلى سبيل المثال يتولى ثوار الزنتان تأمين المنطقة المحيطة بالمطار بينما يتولى ثوار مصراتة تأمين مناطق اخرى في طرابلس.
ولم تتمكن الحكومة المركزية حتى الآن من ادماج هذه الميلشيات في جيش وطني واحد نظرا لمقاومة الكثير من الثوار لفكرة تسليم سلاحهم والعودة الى حياتهم المعتادة قبل الثورة.
سألت احد الشباب الذين شاركوا في معارك الثورة عن سبب رفض تسليم السلاح فقال ان اغلب الثوار يشعرون انهم اذا سلموا سلاحهم فإن هذا يعني ببساطة الغاء دورهم في الثورة، وبالتالي الغاء دورهم في مستقبل ليبيا.
تأملت مجموعة من شباب الثورة الذين يقومون بتفتيش السيارات في نقاط محددة في طريق عودتي الى الفندق، وشعرت بانهم يعملون باخلاص واهتمام حقيقيين للحفاظ على امن بلادهم، ولكنهم يمثلون، في نفس الوقت تحديا حقيقيا لاي سياسي يحاول تقليص او تهميش دورهم.


١٦ تعليق